محمد عباوي .. كفاءة مغربية في إدارة "أعمال البيزنس" بالخليج
كفاءة مغربية في إدارة "أعمال البيزنس" بالخليج

كفاءة مغربية في إدارة “أعمال البيزنس” بالخليج

اسم محمد عباوي، المغربي المشارف على ختم العقد الرابع من حياته، يحضر بقوة في عوالم “البيزنس” بغالبية دول الخليج، كما يتوسط القصاصات الصادرة في المنابر الاقتصادية الكبرى بالشرق الأوسط، متفوقا في مجال تخصصه على حاملي جنسيات أخرى عديدة.

راكم المنتمي إلى شريحة “مغاربة العالم” خبرة مهمة في مجال المال والأعمال عموما، والإدارة المالية على وجه التحديد، وطموحه لا ينطفئ إلا ليعود متقدا أكثر من ذي قبل، يشبه في ذلك “العنقاء” التي تنبعث، وفق الأسطورة الشهيرة، من رمادها.

النشأة في العاصمة

ولد محمد عباوي سنة 1971 بمدينة الرباط، وتحديدا بحي يعقوب المنصور، الذي ترعرع فيه، وشهد أول تدرج تعليمي له في ابتدائية “وادي المخازن”.

يعترف عباوي بأن ذاكرته تحمل زخما جميلا من تلك الفترة، وأنه لا تكفيه ساعات أو أياما من الاستحضار، ولا مئات الإقرارات بتأثيراتها على تكوين شخصيته.

ويقول محمد: “جاورت واحدا من الأجيال التي كانت تصنع ألعابها بأيديها، وتشتغل صيفا في مختلف المهن المتاحة. كما أتذكر كل تفاصيل اللحمة الحقيقية بين الجيران”.

كما يقر الإطار المالي بأنه لن ينسى أبدا ارتباطه بمياه المحيط الأطلسي بمنطقة “الدْبُـو”، بيعقوب المنصور، التي كان يمارس فيها الغطس مع أقرانه حتى حفظ كل متر من القعر، وأكل من أسماكها الكثير بعد عناء كبير في اصطيادها.

“أتمنى أن يتمكن الرعيل الحالي، بمعية أجيال المستقبل، من عيش ما خبرناه كي يذوقوا فوائده في بناء الشخصيات؛ والتمكن من الاحترام والاعتماد على النفس”، يزيد المتحدث نفسه.

الطريق إلى باريس

محمد عباوي، في الأساس، منتوج خالص للقطاع التكويني العمومي المغربي: من شهادة الباكالوريا إلى المعهد المتخصص في التكنولوجيا التطبيقية، ومن جامعة محمد الخامس إلى المعهد المتخصص في المحاسبة بالعاصمة.

أكمل ابن “يعقوب المنصور” مشوار التعليم العالي حائزا على دبلوم في مراقبة تسيير الشركات من جامعة بوردو الفرنسية، بعدما دأب، طيلة سنتين، على الاشتغال نهارا بالرباط، والإقبال ليلا على الدروس الليلية بالدار البيضاء.

“فكرت في العمل السياسي وأقبلت على تجربة انتخابية، ومنها اكتشفت ميدان التدبير في جماعة يعقوب المنصور، ثم عرفت شركة دولية لتدقيق الحسابات قدمت إليها طلب تدريب تم قبوله”، يسرد محمد عباوي.

اشتغل الإطار المغربي مع المؤسسة نفسها سنوات بعد إبراز تميزه خلال فترة المران، وبحلول عام 2003 غادر المغرب نحو مكتب الشركة بباريس، التي عاش بها 18 شهرا قبل رجوعه إلى المملكة.

بنك المغرب

استبدل عباوي “التجربة الفرنسية” بمنصب في مؤسسة بنك المغرب، حيث صار مراقب بنوك خلال تجربة وصفها بالممتازة في مشواره المهني، وهي التي تطلبت منه ثلاث سنوات في خوض غمارها.

وعن هذه المرحلة يقول محمد : “كنت في البنك المركزي المغربي، براتب مريح، حين فتحت مباراة لنيل منصب مهم؛ وقد ارتأيت حينها أن أكون بين المرشحين”.

ويزيد عباوي: “دار حديث مع والدي حين قام بإيصالي إلى مكان التباري، فصارحته برغبتي في مسار دولي، يجعلني في منصب عال بالقطاع الخاص. وأنهيت كلامي بالتعبير عن طموحي في الاستوزار بالمغرب”.

التحدي الإماراتي

جاءت سنة 2007 حاملة إلى الخبير الاقتصادي والمالي المغربي ما اعتبره “تحديا إماراتيا”، إذ عرضت عليه فرصة خوض مسار بديل بدولة الإمارات العربية المتحدة براتب أقل من الذي يقبضه ببنك المغرب.

وقد رأى محمد عباوي، وهو يفكر في خطوته المهنية التالية، أن وجوده في بيئة أنجلوساكسونية يتماشى مع حاجته إلى التغيير، وأن ذلك كفيل بأن يساهم في إثراء خبراته ومداركه، فما كان منه إلا أن قبل الالتحاق بمؤسسة عاملة في “مجال الفخامة” بدبيّ.

“أمضيت ستة أشهر في ممارسة المهام الموكولة إلي قبل أن أقدم استقالتي، وذكرت أن قبولي بالتعاقد البدئيّ كان بهدف التجريب؛ رغم أن التموقع كمحلل مالي أقل من مهاراتي التي تشهد بها دبلوماتي ومنجزاتي الميدانية”، يقول عباوي.

استقالة محمد سترفض من طرف مشغله، وسينال عوضها اختصارا هائلا في السلم الوظيفي بترقية كبيرة رفعته إلى منصب “مدير مالي” في الشركة، التي كانت تثق في قيمته المضافة للأنشطة التي تقوم بها. وقد واظب، حتى سنة 2016، على ضبط طاقم من 140 فردا.

ثوب الهجرة

اسم محمد عباوي أضحى عَلما في سوق المال والأعمال بمنطقة الخليج، مستندا على المردوديات العالية، التي حققها اجتهاده المستمر في تخصص الإدارة المالية بناء على تكوينه الأساس في المغرب.

ويرفض الخبير نفسه أن يكنّى مهاجرا، رغم تخطيه عقدا من الزمن وهو مستقر خارج وطنه الأم، بعيدا عن الرباط وفضاء يعقوب المنصور، مشددا على أنه لم يلبس “ثوب الهجرة” منذ مغادرته المملكة.

وفي هذا الإطار يقول محمد: “أن أغدو مهاجرا يبقى آخر شيء يروج في دماغي، فأنا أبقى إنسانا طموحا، أستثمر في المعرفة التي راكمتها، واللغة الإنجليزية التي أتقنها، ومنهجية التواصل التي اخترتها، تماما مثلما عملت على ذلك في وطني الأم”.

بين الرياض ودبي

قبل ثلاث سنوات رنّ هاتف محمد عباوي بدبيّ، وعلى الطرف الآخر كان مخاطِب إنجليزي يتحدث باسم مجموعة عملاقة لها أكثر من 13 ألف مستخدم، تعمل في 17 بلدا، بينها المغرب.

تلقى الإطار المغربي مقترح اشتغال في موقع مدير عام للشؤون المالية بهذه الشركة العالمية، لكن ذلك كان مرتبطا بضرورة الانتقال إلى الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، والاستقرار هناك لمباشرة هذه المهام.

ويسرد عباوي بشأن هذا المتغير: “قبلت العرض، لكن ارتباطي بالبيئة الإماراتية عموما، وبدبي بشكل خاص، لا يزال مستمرا، فكل أسبوعين أتنقل مع أسرتي من وإلى الرياض، ونبقى محتفظين بإقامتنا في الإمارات التي ألفناها”.

ويضيف محمد: “أظنني وصلت إلى ما سبق أن أثرته مع والدي الراحل. قد تكون هذه مرحلة ما قبل العودة إلى المغرب بحثا عن منصب حكومي أو اجتماعي أو تطوعي سامٍ”.

الإنجليزية قبل المهنية

مستندا على تجربته الشخصية، يؤكد محمد عباوي بأن “من لا هدف له لا داعي ليتوجه إلى دول الخليج”، ويشرح ذلك قائلا: “هذا الفضاء صالح لمن يعرفون ما يريدون، والمؤهلات هي التي تحدد تموقع الوافدين بين القمم والسفوح”.

الحياة في الخليج تعني لمحمد عباوي “9 شهور من بين 12 شهرا بلا مكان للتواجد في الشوارع”، ويردف: “هذا معناه أن من لا يتوفر على إمكانيات لنيل ظروف عيش كريمة سيعاني صحيا ووجدانيا، ولن يستفيد من هذه التجربة إطلاقا”.

ضبط الإنجليزية يضعه المسؤول المالي المغربي في وصاياه للراغبين في الهجرة من المغرب إلى بلدان الخليج، قبل أنواع الدبلومات والميزات المحصل عليها، وحتى حجم الخبرات المتراكمة هنا وهناك.

ويختم محمد عباوي قائلا: “ألتقي شبابا يطلبون المساعدة في إيجاد فرص عمل، وحين أستلم نهج سيرهم أجدها بالعربية، في حين يتعلق الأمر بأشخاص يتعاطون مع بيئة تعتمد على الإنجليزية، والوثائق موجهة إلى أشخاص لا يتعاملون مهنيا بغير الإنجليزية”.